مقدمة:
يشكل التراث الحساني مكونا أساسيا من بين مكونات التراث بمنطقة أسا، ورافدا هاما من روافده النيرة، وقد ظل هذا التراث خلال تاريخه الطويل بعيدا عن الأضواء لا يتجاوز البحث فيه الإشارات التي وردت في سياق بعض المؤلفات التي تناولت التراث المدرسي في بلاد شنقيط بصفة خاصة و تراث البيضان بصفة عامة، مثل كتاب "البادية" للشيخ محمد المامي و"الحسوة البيسانية في معرفة الأنساب الحسانية" لصالح بن عبد الوهاب و"تراجم أدباء شنقيط " لمحمد الامين الشنقيطي وغيرهما .
وفي السنوات الأخيرة من القرن الماضي بدأ يستقطب اهتمام الباحتين  فأنجزت حوله مجموعة من البحوث أبرزت أهميته ومكانته و قيمته داخل المجتمع الحساني.
و سنتحدث في هذا العرض عن جوانب من التراث الحساني بمنطقة أسا.
1/الخيمة :( الأدوات –المكونات –طرق الإعداد) 
تعتبر الخيمة المسكن الرئيسي لسكان الصحراء عموما ومصدر ضلهم وراحتهم، وهي عبارة عن بيت متنقل (يسهل الترحال ) يلازم الإنسان الصحراوي في كل رحلاته وتنقلاته التي يعود السبب في كثرتها إلى بحثه المستمر عن الماء ومواقع الكلاء فظلا عن هروبه من المخاطر الطبيعية والبشرية كالإغارة والإجتياح الناتجين عن القوى الطبيعية، أو الفتن والصراعات الكثيرة التي كانت تحدث بين قبائل وجماعات .
فالخيمة هي تلك الدار المضيافة ذات شكل بديع تصنع وحداتها الأساسية " الفلجة " جمع "افليج " من شعر المعز الأسود، وقد يمزج بصوف النعاج الأسود[1]، أو وبر الإبل الأسود والأحمر، ويبقى إتساعها وضيقها رهينا بإرادة صاحبها وقدرته، ومكانته داخل العشيرة،  والفليج تنسجه ربة البيت أومن تكتريها لهذاالغرض  حتى يتم العدد المراد حسب المواصفات المطلوبة وتخاط "الفلجة [2] في يوم تحدده صاحبة الخيمة ، تجتمع النسوة للخياطة، وعلى ربة البيت أن تعد لهن دبيحة تطهى كلها مع توفير المشروب المفضل الشاي واللبن، وتبسط "الفلجة "في مكان منبسط، تجلس النسوة فوقها وقد شمرن عن سواعدهن للخياطة، و قد يتم إشراك الرجل في هذا الميدان وذلك  عن طريق تقليدية تنم عن الاعتزاز، فان لاحظن مرور رجل اغتنمن الفرصة ورمينه بالكبة الصوفية ويزغردن ويغنين بأعلى صوتهن قائلات :"رانك مقصود " فيرحب بهن وكأنهن حللن ضيفات عليه  ويرسل إليهن  شاة وسكر وشاي وتقسم النساء حسب  أد وارهن إلى صاحبة "المشل" وصاحبة "الجبر" وهي أنواع من الخياطة. تقف الخيمة على ركيزتين3، يشدها من الوسط حبل جلدي غليظ يسمى "لعصام" وعند مدخلها يقف عمودان يسميان "البيبان"4 أي البابين ويسمى أوسطها الثالث "المسمك" ويشدان إلى الخيمة بحلقتين حديديتين تسميان "الحلكات" خيط من الجزء الأمامي للخيمة الذي يمتد على طول مدخلها ويسمى "المطنبة" وهي عبارة عن افليج عرضها يقارب 30سنتمترا . و تفرش الخيمة بالحصير المصنوع من "السمار "،و تبسط فوقها الزرابي "لكطيفة" ، أما في أحد جوانب الخيمة فتقف محام الخشبية تسمى "الرحلة " ومفردها "رحل" تمد فوقها أعمدة تسمى " الشداديم "لتحمل "التازياتيم " جمع "تزية" وهي الحقيبة الجلدية المربعة الشكل التي يخزن فيها كل ما خف حمله و غلى ثمنه، كما تعلق "الكربة" في رحل إضافي ،وأسفل "التازيتين " و تعلق "الشكوة" في محمل خشبي يسمى "الحمارة"، وتحتوي الخيمة على أشياء كثير كــــ "التاسوفرة" وهي حقيبة الرجل ، وهناك "المزود" ويستعمل لخزن بعض المواد الغذائية و هناك " الضبية"' و تحتوي على   كل ماتمتلكه المرأة من حلي ووسائل التزيين و التجميل5 ، و تحتوي الخيمة كذلك على "الرحى "، وللخيمة ثمانية أوتاد على المعتاد وقد تزيد على العشرة أو أكثر حسب حجمها و تسمى التي تشد الا ركان الأربعة "بالخوالف" و تسمى الوسطى بــــ"الظهرة" .و عندما تشيد الخيمة يمر من جانبها و خلفها ستار قد يكون ثوبا  أو شعرا يسمى "لكفه" يشد الى الخيمة بإبر تسمى "الخلالات" تبقى  بداخل الخيمة قطعة بيضاء لها شكل مربع تسمى "البنية" تدلى عند المدخل  ليلا وترفع نهارا و ذلك داخل في تجميل الخيمة و تدفئتها



2/الألعاب الشعبية:
لقد كان لساكنة منطقة أسا قسطا وافرا من الألعاب الجماعية الجميلة و من هذه الألعاب التي لازالت ذاكرة اسا محتفظة بها نذكر:

أ‌._ أراح :
و هو لعبة رجالية بامتياز تجسد القوة و الصبر و القدرة على التحمل ، تتكون هذه اللعبة من 10 إلى 15 فردا يقفون متحلقين حول رجل يقف في الوسط على رجليه أو على واحدة منها (في بعض الحالات ) داخل دائرة  تسمى "إلقام" ، ولا يجب أن يخرج رجليه منها ، و يبدأ الرجال في الدوران حوله ، وكما تغافل من احدهم ضربه و هو ما يسمونه بقولهم "فلان يشبح" و ادا ضرب هو احدهم أو لمسه برجله فان هذا الأخير يحل محله ، و هكذا .

ب‌._كبيبة :
 وهي لعبة شبابية و رجالية تضم أربعة لاعبين فما فوق من كل فريق ، وقبل الشروع  في اللعب تجرى القرعة "العود" لتحديد الفريق الذي سيحمل الأخر على ظهور لاعبيه ،بعد ذلك ي ركب اللاعبون الذين اختارتهم  القرعة و يشرعون في تبادل الكبة –كرة تصنع من القماش  غالبا ، خفيفة الوزن ليسهل رميها – فيما بينهم  على بعد مسافات مقايسة شريطة ألا يتم تحريكهم من طرف لاعبي الفريق الخصم ، و في اللحظة التي تسقط فيها الكبة على الأرض ينزل اللاعبون المحمولون ، فيبدأ الخصوم في ملاحقتهم و إرسال الكبة في آثارهم ، فإذا لمست هذه الأخيرة احدهم يعوضونهم في وضعية اللعب 6.....و هكذا .


و_السيك  :
هي لعبة مشتركة بين الرجال و النساء ، وتلعب خاصة في شهر رمضان ، وهي عبارة عن  ثمان قطع خشبية طول الواحدة  حوالي 25 سنتمترا و عرضها سنتمتران إلى ثلاث ، ظهرها نصف دائري مزركش بلون مغاير للون الجهة الأخرى من السيك .

 و أثناء اللعبة تنقسم الجماعة إلى فريقين متساويين عددا ، و يتم أخد كمية من الرمل و وضعها بلحاف لجمعها ثم تتقدم أحد النساء لتجعل تلك الرمال على شكل نصف دائري مستطيل الشكل و يسمى "لبر"ويتم رسم خطوطا  على طول المستطيل الرملي  و في النهاية توضع قطع خشبية طول الواحدة منها أربع سنتمترات و عددها يتم حسب الخطوط الموضوعة ، و في الجهة المقابلة لها توضع حجارة صغيرة بعدد القطع الخشبية ، كل هده القطع تمثل فريقا منفصلا على الأخر لتبد ا لعبة السيك بمطاردة الحجارة للقطع الخشبية و العكس صحيح7.


/4ـــــ  الحلي و مظاهر التزيين عند المرأة  :   

      فيما يخص الزي الصحراوي عند المرأة فهو الملحفة و الإزار الذين يغطيانها من رأسها إلى قدميها وهناك ملاحف كثيرة 11  و متنوعة  ومن بينها :  ( ملاحف الشرك)  أو (لنصاص) أو (لكحال)  وهي مركبة من وحدات على شكل قطع طويلة بعرض قصره ، رقيقة ناعمة كثيرة الصباغة شديدة السواد و هناك ملحفة (النيلة ) و (المليس)  . أما بالنسبة للحلي فتزين المرأة بالمنطقة  بأنواع الحلي الفضية و الحجار الكريمة ، فتضع في معصمها ما يسمى بــــ"المباديل" و "الأرساغ" و" الليات"  وتضع في رجليها خلاخل من الفضة الخالصة ، و تزين بالبغداد و الصاع – وهو عبارة عن قلادة - ، وتضع المرأة على جانب ضفرتها من فوق ناظرها ما يسمى ب"الدركة" و هو جوز من البكر بمعنى العقيق ، في حين تضع على الجهة الأخرى ما يسمى "البوط" و هو حجر كريم على شكل هرمي ناصع البياض وهناك ضفائر متنوعة منها "سنمانة" و"الكطاية" ولعل مايميز نساء منطقة أسا أنهن يضعن "الجدايل"  جانبا على رأسهن خلافا لبعض نساء المناطق المجاورة ، غير أن الملاحظ في السنوات الأخيرة أن بعضهن خاصة الأجيال الحالية أصبحت تتخلى عن تلك العادات بحكم التأثيرات الخارجية .
 
 خاتمة
  ونحن على مشارف وضع نقطة النهاية لعرضنا المتواضع تبين لنا أن التراث الحساني بمنطقة اسا غني جدا ولقد استمد غناه هذا من :  
Ø                   موقع المنطقة الاستراتيجي ،حيث كانت تشكل إلتقاء مجموعة من القوافل التجارية  نتج عنه تأثر المجتمع المحلي بثقافة و طقوس الوافدين عليها .
Ø                   العامل الديني الذي تحكم بشكل كبير في توجيه سلوكيات المجتمع المحلي.
ومن هنا يتضح لنا أن التراث الحساني بصفة عامة في النهاية هو حصيلة للصراع الإنساني عبر مراحل تاريخية ذات أبعاد اجتماعية  وفكرية ، استطاعت الأجيال الحفاظ على ابرز مقوماته ، و تبقى الإشكالية الأساسية في كيفية التعامل مع هذا التراث والحفاظ عليه من الاندثار في ظل ما يشهده العالم من تطور.


[1] 1 الغربي محمد :"الساقية الحمراء وواد الذهب "،الدار البيضاء،الجزء الأول ،ص 189
[2] الفلجة : جمع أفليج :وهي أشرطة يتم نسجها و تشكيلها من شعر الماعز الأسود
3 ركيزتان : وهي عبارة عن أعمدة متينة
4  البيبان : مفردها باب وهي سارية خشبية تمسك بطرفي الخيمة
5 الغربي محمد : مرجع سابق ، ص 150
6  نيمة محمد " جوانب من الثرات الحساني " الرباط الطبعة الاولى السنة 2001 ص 27
7  نيمة محمد : مرجع سابق ، ص 30
11  الغربي محمد : مرجع سابق ،ص 153

إرسال تعليق

 
Top